|
خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد
العرش
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وزراءنا الامجاد وكافة الشرفاء وعامة رعايانا المخلصين.
يبعث عيد العرش حينما يفد علينا اشعته الى القلوب، فتزداد اتحادا ويحيي فيها
رجاءا قويا، فتواصل اجتهادا يمتن بين الامة وعاهلها عرى الاتصال المبني على
الاخلاص والوفاء، فتقوى تلك الروابط المتأصلة منذ قرون، وتنبعث بنشاط لخدمة البلاد
واحيائها حتى يصبح كل فرد من الامة المغربية يشعر شعورا قويا، بكل ما عليه من الواجبات،
ويؤديها بذلك النشاط المتجلي في ميدان العمل، وباهر الاخلاص الذي لا يتخلله توان
ولا فشل. على اننا لا نزال ككل الناس نقاسي شدائد الحرب التي ان وضعت اوزارها
ما فتئت تجر على البشر بأجمعه اثقال عواقبها نجا العالم -ولله المنة الحمد- من
ذلك الاسر الذي كانت دول الظلم والعدوان تريد ان توقفه فيه، وانتصرت الامم
الحرة التي تريد ان يتحرر بنو الانسان من قيود العبودية، ويترقى العالم البشري
رقيا روحيا، يتمع فيه كل افراده بحقوقه، يسمو بالعدل والعرفان، ولا يرتبك في
قيود الذل والهوان. وتعلمون ما قام به المغرب من تأدية واجباته الدولية، وثباته
بمركزه الثبات الوطيد، الذي اكسبه بين كل الدول، ذلك الذكر الحميد الذي يخوله
حق الصعود الى اعلى مقام، حتى يصطف مع الامم التي شاركها في الضراء، فاستحق بوفائه
وثباته ان يقاسمها مواجب السراء، بعد استتباب السلم الذي لا نزال نبتهل الى الباري
جل علاه ان يسدل ارديته الوافرة على العالم، حتى يسعى الجميع في الصالح العام،
ويتمتع كل الناس بالسعادة والاطمئنان، ويامن كل واحد من الخوف والطغيان.
كما نرجو للأمم العربية الشقيقة ان تنجلي عنها زوابع العدوان، النازلة بتلك البقاع
المقدسة التي يسكنونها منذ قرون، ولانزال نعتقد ان الحق يثبت لذويه، ويستتب الامن
والسكينة بين الناس ليسعى الكل في مصلحة الكل.
لايزال المغرب يواصل جهوده الحميدة، في سبيل نشر العلم الذي طالما دعونا
ولانزال ندعو اليه، اذ من اعز رغائبنا ان يسلك كل مغربي فجاج سبله المثمرة
النافعة، ليعلم ماله وما عليه في هذه الحياة الدنيا، ومشاريع دينه، متبصرا بكل
شؤون الحياة يسعى قدما من الصالح الى الاصلح، ومن النافع الى الانفع، حتى يصبح
بين اخوانه فردا منتفعا نافعا، ولبلاده عضدا منجدا. نعم، انجز منذ ندائنا الاول،
في سبيل نشر العلم، شيء يسر بعدده وحسن سيره، وقوي نتائجه. ولا يفوتنا ان ننوه
هذه السنة بما قام به احد الغيورين من تجار الدار البيضاء السيد عبد الكريم الحلو
الذي اعطى للاغنياء خير مثال في العمل الصالح العام، وعرف كيف يشكر المولى
تعالى على ماافاء عليه من نعم، فقد بنى مدرسة عظيمة ستؤدي ان شاء الله اكبر الخدمات
للعلم، كما انجز ا لسيد محمد بن كيران بفاس، تلك المدرسة التي كنا وضعنا لها
حجرها الاساسي منذ عامين.
ومن الاعمال الجليلة التي تستحق الذكر، تلك المؤسسة الصادرة عن غيرة وارثات
السيد محمد بن عمرو، نعم، فانهن وقفن من تركة موروثهن الصائر الى رحمة الله،
قدرا عظيما من المال لينفق في سبيل نشر العلم، وقد قررت اللجنة الواقفة على
تدبير شؤونه ان توجه الى فرنسا بعثة من الطلبة المغاربة ليواصلوا دروسهم العليا
الفنية، ويقام على حاجياتهم من ذلك المال الرابح، وانه لتنشرح صدورنا فرحا بهذه
الاعمال، وكل ما ييسر في هذا السبيل الذي يدل دلالة واضحة عل ان
الافكار نضجت، وان القلوب اشعرت ما يجب على كل واحد من القيام بخدمة الاوطان
والسهر على الصالح العام، حتى صارت النساء في طليعة العاملين المنجدين، يذكرننا
بأزهر عصور الاسلام التي كان فيها الرجال والنساء يسارعون الى مغفرة من ربهم
وجنة عرضها السماوات والارض.
والذي ادخل سرورا عظيما علينا وعلى كل افراد الامة، نجاح نجلنا البار ولي العهد
مولاي الحسن اصلحه الله في شهادة الباكالوريا التي تتوج الدراسة الثانوية،
وهاهو الان يتابع دروسه العليا القانونية مع اقباله على دراسة الفقه والتاريخ
والاداب العربية وتاريخ التشريع الاسلامي حتى يضم الى ثقافته الحديثة ثقافة
عربية اسلامية عليا. فنرجو من الله الكريم ان يسهل له ولسائر اقرانه من نجباء
الامة، وسائل التحصيل النافع، وانه لينثلج صدرنا جميعا ان نرى رعايانا -ذكورا
واناثا- مقبلين على ما ندعوهم اليه، ساعين وراء القصد الذي لم نزل منذ اول عهدنا
نحث جميع الناس عليه، حتى نرى كل افراد شبابنا الانجاد يستقون من حياض العلم
بجميع انواعه الى اقصى غايات النجاح ليحل الجميع العلى درجات الفلاح.
واننا كما بذلنا اقصى الجهود في سبيل تثبيت فكرة الاقبال على التعلم في نفوس
رعايانا، فاننا نريد من شعبنا ان يلتفت بجد الى شؤون اقتصاده إذ لم تكن تلك
الجهود الا وسيلة للمرحلة الثانية التي هي التقدم في سبيل الاقتصاد بكل انواعه
الثلاثة من فلاحة وصناعة وتجارة. على أننا اذا جارينا الناس في تلك الميادين
انما نقتدي بسلفنا الصالح الذي لا تزال كل اقطار المعمور تشهد بتفوقهم في كل
مجاري السعي البشري. فهذه آثارهم الفلاحية والصناعية لاتزال قائمة العين شرقا
وغربا، ومع هذا كله يجب علينا ان نبحث عن الوسائل الجديدة المستنبطة حديثا في
كل مساعي الفلاحة والصناعة، يتعين على عدد وافر ان يعدوا انفسهم في تلك المدارس
العصرية حتى يتخرج منهم مهندسون يمكنهم بالعلم الجديد ان ينافسوا غيرهم في
ميادين الحياة الجديدة. ويعلم الكل ان وسائل الفلاحة القديمة لا تفي بحاجيات
اليوم الا اذا استثمر الفلاح ارضه بالطرق التي يمكنه بها ان يستخرج منها اعشار
ما كانت تورده قبل اليوم. وكذلك وسائل تربية الماشية وكل فروع الفلاحة، اما من
حيث الصناعة، فقد كان الصانع قبل، من يحسن عمل يده ويجيد مصنوعاته. اما الآن
فقد سطت الآلة على عمل اليد: فالصانع من يستخرج بالطرق الميكانيكية، والآلات
البخارية والكهربائية، منتوجاته من كل ما يريد عرضه على الاسواق التجارية،
وبالجملة فليس اليوم كأمس، بل يتعين على كل العاملين ان يشاهدوا ما فاز به
العالم الجديد في كل السبل، ويسلكوا ما استنبط من الوسائل العصرية، ليكونوا
رجال اليوم، من حيث النشاط والتبصر، والتقدم الى الامام. اذ الحياة مبنية على
المزاحمة، ولا مزاحمة الا اذا تقاربت وسائل المباراة، في كل شؤون الحياة.
على ان ما اتصف به العامل المغربي منذ قديم الزمان، يسهل له ان يدرك كل المزايا
العصرية، والاوصاف التي يمكنه بها ان يتطور تطورا حميدا، حتى يصير في القريب
العاجل، عاملا عصريا يرتقي في مدارج العمل، ليصبح في طليعة العاملين المنتجين.
ويتعين علينا ان نعتني خصوصا بالعامل الفلاحي وننهض باجرته، لتسهل له وسائل
معيشته، ومعيشة ذويه. فلا يبقى متخبطا في البؤس، محالفا للشقاء، يعمل طيلة
نهاره بدون جدوى، ساعيا كل سنته من غير امل تحسين حالته، بفضل جده وثمرة
اجتهاده وان ذلك الاعتناء بحالته لمما تفرضه علينا واجبات الانسانية وقوانين
العدل.
نريد ان تستنير الامة المغربية بما يفرضه علينا ديننا الطاهر، من قوي الاتحاد،
ونافع التعاضد، قال تعالى: "انما المومنون اخوة". وقال صلى الله عليه وسلم:
"المومن للمومن كالبنيان يشد بعضه بعضا" فاذا اتحد المومنون واخلص بعضهم للبعض،
سهلت الاعمال، وتمت المشاريع، وانتجت الجهود المبذولة،حتى يحمد الكل مغبة
المسعى، وحسن المنقلب.
كما أن مفتاح النجاح في الثبات على المبدأ وفي الصبر والمصابرة، ولذلك اثنى
الله عز وجل على هذا الوصف الحميد، ووعد سبحانه ذويه بكامل الفلاح، فامرنا -عزت
قدرته- بملازمته في كل شؤون الحياة، وقال: "يا أيها الذين امنوا اصبروا وصابروا
ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" كما قال تعالى: "انما يوفي الصابرون اجرهم
بغير حساب". ولا يتم عمل مهم في هذه الحياة، بدون مصابرة العراقل، ومقاومة
الشدائد، والصبر على انتظار نتائج الاعمال وثمرة السعي.
على ان نجاحنا بهذه الدنيا وسعادتنا في الاخرة منوطان بتمسكنا بالشريعة
المطهرة، واتباع سبلها الفيحاء في قواعدها الاساسية وتفاصيلها الفرعية. كما يجب
على كل واحد منا ان يلتفت دائما الى من حوله من اخوانه لياخذ القوي بيد الضعيف،
ويعين الغني الفقير، ويرشد المتبصر الغافل، ليهتدي الجميع الى انفع السبل،
ويتحد الاخوان على سلوك اقوم المثل. نحث العلماء بالخصوص على القيام بمامورية
الارشاد، والاعتناء بثقافة الشباب. كما لا نزال نوصي كل من تولى امرا من امور
رعايانا -من قضاة وباشوات وعمال ونظار وأمناء- ان يبذلوا ما يستطيعون من الجهود
في القيام بماموريتهم التي انيطت بهم بما يرضي الله ورسوله من نزاهة وامانة
واخلاص، وخفض الجناح والاعتناء بشؤون الرعية احسن الاعتناء، غير غافلين ان
الدين النصيحة لله ولرسوله ولامراء المسلمين وعامتهم.
اذا ادى كل واحد منهم ما يوجبه عليه دينه التأم الشمل واجتمعت الكلمة واتحدت
القلوب على خدمة البلاد ومراعاة صلاحها حتى تتحسن الاحوال فيحمد الناس المسير
في سبيل مرضاة الله وتسعد بالرفاهية والهناء ايامهم وتلوح شموس فلاح دائم في
ممر الزمان اعوامهم سعيدا بالمومنين اميرهم الساهر بمعونة الله على مصالحهم،
الباذل كل ما يستطيع من الجهود في ادراك رفاهية شعبه الوفي، الساعي بكل قواه في
سعادة امته الكريمة الغيورة. وعلى الله ذي الجلال مجيب المنيبين اذا ما دعوه،
وملبي المخلصين كلما قصدوه ورجوه كل اتكالنا في تتويج الختام بحسن المنقلب
والصعود بالمغرب الى اعلى الرتب، انه بكل احوالنا سميع عليم، وبعباده المومنين
لطيف رحيم.
ألقي بالرباط
يوم 16 محرم عام 1368- 18 نونبر 1948 |