|
خطاب جلالة السلطان بمناسبة عيد
العرش
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وزرائنا الانجاد وكافة رعايانا المخلصين،
في مثل سرعة تقلب الاحوال الاتية بعد زوبعة الحرب التي عم ظلامها كل بقاع
الارض، وأثقلت أرزاؤها كاهل الامم، يتعين على المرء أن يخلو بنفسه ليتفكر، ويتبادل
الانظار مع اخوانه ليتبصر، ويتحد مع بني جنسه ليتدبر، ينبغي للعاقل ان يفكر قبل
الشروع في أعماله، ويبحث عن مقدماتها حتى اذا أحاط علما بالاسباب والمسببات، وما
تستوجبه النتائج من الجهود والمقدمات، علم أن ما يطمع اليه من تحسين حاله لا
يزال يستدعي المزيد في الاجتهاد ليدرك ذلك الكمال الذي يناسب فكرته ويسمو الى
الرقي حتى ينال منزلته، كذلك ينبغي لنا أن نلقي نظرة عامة على حالتنا الروحية،
ودرجتنا الفكرية، ومنزلتنا المادية، ومستوى طبقتنا الادبية نجول بفكرنا في نواحي
مملكتنا الشريفة متسائلين عن أحوال سكانها لنعلم هل بلغوا درجة عموم الناس في
مختلف البلاد، وهل يحق لهم أن يقترنوا في ميدان السعادة بسائر العباد، هل نجدهم
مستنيرين بأنوار العلوم التي تنمو بها الافكار، أو نلقاهم محرومين من غذاء
الارواح وميسرات الاعتبار، هل يعيشون مترفهين في مثوى السعادة وحياة الرغد أو
يتقلبون على جمر الغضا من مسببات الشقاء وبؤس النكد، نرى اذا حققنا النظر في
ذلك كله أن الحالة العامة لا ترضي العاقل من شتى وجوهها وخصوصا من حيث العرفان
ومختلف وسائله وممهدات العمران وجملة مشاكله، تتحقق اذ ذاك بما يجب علينا من
بذل المستطاع لرتق حالنا حتى نخرج من وهدة الخمول وندرك في مراقي الصعود وأعلى
درجة الرقي كل مأمول، ونجد السعي في ميادين العمل الذي تستلزمه نهضة البلاد
وتطالبنا به الظروف للحصول على سعادة البلاد. فماذا أديناه الى الان من ذلك الواجب
الاكيد الذي يتعين علينا القيام به عن غير توقف ولا ترديد؟ طالما خاطبناكم منبهين
للغافلين مرشدين للعاملين، مشجعين لذوي الهمم العالية من الغيورين، محركين
غيرتهم الوطنية، مؤزرين قوة مبادئهم الدينية ليجدوا غير متكاسلين، وينفقوا غير
حاسبين، مغتنمين أثمن الفرص لادراك أعلى المقاصد، مبتهجين بحسن النتائج وصفاء
الموارد، مشجعين بالاقوال والافعال، حاثين على طلب المزيد في تحسين الحال والمئال،
مرددين النصائح لنزع ثوب الخمول عن الافكار، وازاحة رداء الغرور عن البصائر والابصار.
ولقد سرنا ما شهدناه من شروع الامة في أعمال نهضتها، وحسن النتائج التي اخذت
تظهر من مبارك حركتها، وان كانت لا تزال قليلة تطالبنا بالمزيد في كل السبل.
نريد أن نبين لكم في هذا العيد السنوي المجيد، ما نجز في بحر هذه السنة من
الاعمال التي لا نزال نواصلها بحول الله قياما بالواجب قبلكم وقبل الوطن الذي
لا يسعدنا الا ازدهاره، على أن طريق السعي اليها كثير العقبات صعب السلوك لقلة
الوسائل وكثرة الحاجات.
فتحت ست عشر مدرسة شعبية تأوي ما يقرب من خمسة آلاف تلميذ بين بنين وبنات،
يتلقى جميعهم ضروري العلم الديني والدنيوي ليخرجوا متبصرين أحرارا يعرفون ما
لهم وما عليهم، يمتعون كما قلناه في غير ما مرة بوسائل الحياة ويتقنون ما
يباشرون من الاعمال في صفاء الافكار وطهارة الضمير وحرية العيش. وقفنا بنفسنا
على وضع أساس المدرسة الكبرى التي اكتتب فيها سكان الرباط فوضعنا بيدنا حجرتها
الاولى متيمنين بالخير المديد، راجين لها ولاخواتها حسن المزيد، متشكرين من كل
المكتتبين ذوي النجدة الوطنية والغيرة الدينية، راجين من الجميع مواصلة العمل
والثبات على طريق الاجتهاد، حتى يمكننا أن نفتحها في بحر السنة المقبلة ان شاء
الله.
توجهنا الشهر الماضي الى الدار البيضاء لفتح المدرسة التي شيدها بعض ذوي الغيرة
من الشباب المغربي هناك، وزرنا مشجعين أول معمل صناعي عصري أسسه بالعاصمة
التجارية الشاب النشيط السيد محمد بن عمرو الفاسي الذي نرجو له ولسائر رعايانا
المجتهدين نجاحا باهرا، ومستقبلا متنورا زاهرا.
ثم شهدنا افتتاح القسم الداخلي الذي أحدثه السيد العلمي مدير المدرسة الحسنية
البيضاوية في معهده المنبيء بكامل النجاح ان شاء الله. وتوجهنا بعد لفاس لنرأس
بنفسنا افتتاح الدروس بجامع القرويين بعدما عطلت مدة، وهددها الركود بأسباب
مختلفة عدة، فأكدنا للجميع قوة اهتمامنا وصريح اخلاصنا لنشر العلوم، وبالخصوص
منها الدينية لما فيه من السعادتين، وما كنا لنرضى تقدما لرعايانا المخلصين الا
اذا شربوا من الكأسين: كأس الرقي الدنيوي ليعيشوا أحرارا بين الامم، وكأس
الرشاد الديني لاتباع السنن الابلج الاقوم، مقتفين في ذلك نصيحة سيد المرسلين
عليه الصلاة والسلام حين قال: "ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا لآخرته
لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فان الدنيا بلاغ الاخرة."
ثم فتحنا المدرسة المحمدية الفاسية وشهدنا تأسيس مدرسة أخرى، ومعهد المساكين
هناك، وجرى ذلك كله في محفل ملأت أنواره القلوب سرورا، وأفعمت الافئدة آمالا
والافكار نشورا. وجرت تحت رياسة بنتنا للاعائشة أصلحها الله في أقصى مظاهرات
الابتهاج محافل تهم تعليم البنات، التي يجب علينا أن نسهر في تحسين أحوالها
وضمان مستقبلها، وسرنا مالاح في ذلك الافق من لامع الرجا، ووطيد اليقين في
انقشاع حالك الدجى، حتى تلوح البنت المغربية شمسا نيره بسماء العلا، وتسعد بها
الامة حتى تكون الآخرة خيرا لها من الاولى. ولقد أنبنا عن جنابنا الشريف ولي
عهدنا البار مولاي الحسن أصلحه الله في كثير من مناسبات افتتاح مدارس أخرى.
واننا نشكر غيور الموقف ومحيي النشاط في مظاهر السرور الذي أبداه أهل فاس قاطبة
بمناسبة تلك الحفلات الخالدة التي ازدهت بها العاصمة الادريسية عند حلول ركابنا
الشريف بها.
قررنا في الصيف الماضي اجتماع لجنة كبرى للمذاكرة في تسيير المعارف على ما يرضي
من التقدم والنهوض الى مستوى الرقي العصري، وفعلا اجتمع فيها أعلى من نعرف من
ذوي الافكار الراقية وأرباب الحيثيات العالية، في رجال المعارف الفرنسية، وخير
من نعلم من المتنورين المتبصرين بمسائل التعليم من رعايانا فتذاكروا في جل
المسائل التي تهمنا، وتيسر سبل المسير أمامنا.
ويسرنا الشروع في توجه شبابنا المتنور المحصل لشهادة التعليم الثانوي الى
الكليات الفرنسية بقصد استكمال ما يتوقف عليه المغرب من العلوم العليا، يقرب
عددهم من المائة، واننا لنرجو في ذلك حسن المزيد وجميل المواظبة. كما أنشأنا
لجنة للوقوف على اختيار الكتب الدراسية المؤلفة بالمغرب ليكون التعليم بها في
مدارسنا المغربية بموحد الوسائل، ومستكملا لشروط النجاح، شاكرين همة المؤلفين
منا وحامدين الله على ايجادهم من بيننا.
كانت المواصلة بين ملوك المغرب واخوانهم بالديار الشرقية جارية على سنن الاخوة
الدينية، بمناسبة الحج في تلك البقاع الشريفة المقدسة، ثم انقطعت الجهود بمختلف
حوادث الايام، ولقد يسر الله جل جلاله اعادتها واستؤنفت بما بذلناه من الجهود
في ذلك السبيل الحميد، وتوثقت عرى الاخوة الصادقة لما تيسر الحج من جديد، وأخذ
الوفد المغربي يحل محله بين حجاج المسلمين، ويؤدي فرائضه ويمثلنا بين وفود
المومنين.
هذه بعض أعمال السنة من حيث الصعود بالفكر المغربي وتنوير البصائر للعموم، ولا
نزال دائبين حتى يكلل الله جل علاه كل الجهود بادراك الامل، بعد متواصل السعي
في حلبة العمل، اما في غير ذلك السبيل فانكم تعلمون بما بذلناه من حميد الجهود
للافراج عن المعتقلين، ولا نزال نواصلها حتى يعم السراح الجميع ان شاء الله.
ولما أصيب سكان القنيطرة في الصيف الاخير بذلك الحريق المهول، أنشأنا لجنة
اسعاف المصابين، اغاثة للبائسين وتوسعة على المنكوبين، مشاركين في ذلك بمالنا
الخاص لما نعلمه من أن الدعاء للخير بالافعال هو المنتج في كل وجوه الحركة،
ورعيا لما نتيقنه من أن أعمال البر واجبة على كل ما يجد اليها سبيلا.
ولما ظهر من طيش من لا يزال يطمح الى التفريق بالبدعة، واحداث أنكر أسباب
الارتزاق بالباطل، جعلنا دون تلك المساعي سدا بالظهير الشريف الذي اصدرناه،
والقرار الذي أمرنا بكتابته، ما نعين بذلك احداث أي طريق في الدين، لما في ذلك
من محض الضلال ومهالك الاختلاق قال تعالى "وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا
تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون". وقال عليه
الصلاة والسلام: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا
هالك" -وقال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه: من ابدع في الاسلام
بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمد صلى الله عليه وسلم خان الرسالة (وحاشاه) لان
الله يقول: اليوم أكملت لكم دينكم، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا.
هذا بعض ما قررناه من المصالح العامة التي نرجو لها نتائج وافرة هامة، على أن
طريق السعي اليها كثير العقبات قليل التيسير لقلة الوسائل وكثرة الحاجات، ولا
نزال نجد السعي الى تحسين ما نستطيع من الاحوال، والرقي بالبلاد والعباد الى أن
ندرك بحول الله غايرة المنى في الحاة والمئال. وما كان هذا كله ليقنعها لما بقي
علينا من المسير الى الامام، وما لا نزال نرجوه لهذه البلاد من زهرة الايام
فاذا نجز بعض ما نامله لم يزل أمامنا طموح الى عشرة أعشاره، ووجوب بذل النفس
والنفيس كي نسد من حاجاتنا خللا، ونجعل لبؤس حياتنا بدلا.
ولنلق ان شئتم نظرة عامة على ما يقرعنا من الخجل امام ما يعوزنا من أكيد العمل:
يقدر سكان المغرب بثمانية ملايين نسمة ليس فيها من جنسها ثمانية أطباء لينوب كل
مليون من الاشخاص طبيب واحد، بلغت الطرق المرصفة والسكك الحديدية آلافا من
الكيلومترات في كل نواحي المغرب، وليس من أبنائه الا من يستعمل به أجيرا، يعاني
الشقاء في انشائها، ويحالف العناء مامورا لا أميرا، ولا يوجد منا مهندس واحد
يسير قطارها أو يدبر أمر ادارتها، بنيت مخازن للمياه لسقي الارض وتوليد
الكهرباء، ولا نجد من رعايانا الخاملين مهندسا واحدا يشارك في تشييدها أو يعين
في القيام بنفع مياهها. ينتفع جل سكان المغرب بمنافع البريد والتلغراف والتلفون
وليس فيهم الا الرقاصة لتفريق المكاتيب او خدمة اصلاح الاسلاك. تبلغ مساحة
أراضي المغرب الفلاحية ملايين عديدة من الهكتارات، ولا نجد عشرة من المغاربة
يقابلون خدمتها بطرق الفلاحة العصرية. لا يوجد بعامه المغرب في باديته وحاضرته
الا معمل صناعي عصري واحد أنشأه بعد أكيد العناء، ذلك الشاب الغيور الذي نرجو
له مزيد الفلاح، لا يوجد في بلادنا الا شركات تبلغ من القلة عدد أصابع اليد،
والحال أن الاجانب تعد شركاتهم بالمئات.
رأيتم بعد هذا العرض الوجيز المخجل أننا نحاول أن نزاحم الامم المتسابقة الى
الطرق الجديدة بوسائل القرون الوسطى، حيث لم يكن بخار ولا كهرباء، تيقنوا أن
المغرب لا يقوم بواجباته قبل نفسه حتى يخرج خمسمائة مدرس في السنة بين من يعلم
في مدارسه باللسان العربي وغيره، ويمكننا أن نزاحم العاملين يوم لا نكون عالة
على غيرنا في كل حاجياتنا من مأكولات وملابس ومواد صناعية. فإذا أدركنا تلك
الدرجة من الرقي وعم التعليم كل البقاع المغربية وقامت معاملنا بما نستهلكه
وفلاحتنا بما يكفي البلاد ويساعد الاتجار في الخارج بالموارد المغربية، أمكننا
أن نرفع رؤوسنا ابتهاجا بالجهود المبذولة، ونصول زهوا بالنتائج المحصولة،
فلننزع عن أفكارنا حجب الجهل القاتل، ومن أفئذتنا أدواء اليأس الخاذل، مجتنبين
أباطيل الهرج، ملازمين التؤدة والوقار في سلوك أنفع نهج، مطمئنين في طريق الحق
الذي نسمو اليه، ثابتين على مبدئنا الذي نقف كل مواهبنا عليه، ولنجد المسير الى
أعلى مدارج السيادة، ولنمهد وسائل التيسير الى مراتع السعادة، حاثين المجدين
بمواصلة بذل الجهود، حتى يدركوا بنا خير مقصود، متكاتفين في هدوء للطموح الى
المعالي، متآزرين في السكينة والثبات الى أن نحل الرتب العوالي، في سمو تلك
المنازل التي أعدها الله للعاملين، وبهجة سعادة الدارين الخاصة بالمومنين،
متيقنين أن الصلاح يضمن حسن العاقبة لذويه، وان مجاني الفلاح تخص المقتفين
لاوامر ربهم المجتنبين لنواهيه، ولقد وضع لنا ربنا جل علاه للهداية سبلا، كما
أنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا، ووعدنا وعده الوفي بورود مناهل الطلب،
وضمن للعاملين المخلصين حسن المنقلب. فهل لكم أيها المومنون أن تلبوا دعوة
سلطانكم، فإنه الى السعادة يناديكم "استجيبوا لله وللرسول اذ دعاكم لما
يحييكم". لتكونوا في صف الامم من الفائزين، وينجز لكم وعده اذ يقول رب
العالمين: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم
الوارثين".
ألقي بالرباط
يوم 19 ذي الحجة عام 1365- 18 نوفمبر 1946 |