خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد العرش

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
يسرنا أن نراكم مجتمعين هنا، لنقتبل هذا العيد السعيد حامدين الله سبحانه على ما يسر لنا هذه السنة من أسباب السعادة، شاكرين فضله العميم على ما تم من وسائل الرقي الى درجات الاصلاح والسيادة، أفضل الوسائل لتسهيل العمل في الحياة ترتيب تفاصيله، والقيام بكل جزء منه في الوقت المناسب لتنجيزه، فاذا تم ذلك العمل أمكن للقائم به أن يبتدئ عملا آخر، يتحقق به الرقي، وتحصل به النتائج الضرورية للتقدم البشري، الا أنه يغتنم الانسان تفاصيل الوقت كالاعياد وغيرها من المناسبات ليتساءل عن مهمته هل قام بها أحسن قيام، أو تكاسل في المسير، ليجد الخطوات كي يسترد ما فاته من الفرص، أو مالم يغتنمه من المناسبات، فلنقتف هذه الكلية، ولنتساءل هل قمنا بالواجب في ذلك السبيل أم لا. أول ما صعدنا على عرش أسلافنا المقدسين وجدنا الحالة على ما تعلمون. تقدم المغرب من حيثيات مختلفة، الا أن الاصل الكبير لكل تقدم لم يصل الى الدرجة التي تضمن له الرقي الذي يؤهله اليه تاريخه المجيد وغزارة ثروته المادية والمعنوية. رأينا أنه يفتقر قبل كل شيء الى رجال العمل المنتج ولا يكون أولئك الرجال إلا العلم.
من خصائص ديننا الطاهر ارشاده الى ما يضمن السعادتين الدنيوية والاخروية، بنى عمل هذه الدار على مافيه الصلاح العام، من تبادل المودة والرحمة، والتعاطف والتآزر، حتى يكمل الجمع الواجب للقيام بما لا يستطيعه الفرد من الاعمال، ويعبر الناس جمعا متكاتفا بحور ما في هذه الحياة من الاهوال، ولا تتيسر وسائل ذلك الاجتماع الا بالعلم، لذلك كان أول ما أرشدنا اليه سبحانه في أول ما أنزل من القرآن على نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام قوله تعالى "اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. اقرأ وربك الاكرم. الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم." لذلك جعلنا أساس النهوض بالبلاد والجد وراء مصلحة العباد الاعتناء بمعاهد العلم ونشر وسائله بكل ما نستطيعه من الجهود. بذلنا المستطاع في تنظيم أحوال كليتي القرويين بفاس وابن يوسف بمراكش محسنين ذلك التنظيم كلما سنحت لذلك فرصة، ليتكامل نفعهما، ويتزايد المؤمل من نتائجهما. فزيادة على ما كنا حصلنا عليه قبل، أمكن في هذه السنة أن نزيد في عدد مدرسيهما بمكناس، كما وقعت زيادة اصلاح في برنامج التعليم بحسب ما يناسب الاحوال وما تدعو اليه الضرورة، كما يسر الله سبحانه اصلاحا آخر لم يكن بالحسبان الحصول عليه في هذه الظروف الحرجة التي نعبرها، فقد أمكن تأسيس مطبعة تسهل وسائل التعليم وتكثر فوائده، اذ يمكن بها طبع كل الكتب المدرسية التي نتوقف عليها في كل طبقات التعليم الاسلامي، كما يتسنى طبع ما يؤلفه علماء الوقت في مختلف الابحاث والفنون، وسنشكل لجنة خاصة لاختيار التآليف القديمة الموجودة في خزانات الكتب المغربية لنقوم بطبعها وينتفع بها العموم ان شاء الله. ولا نزال ندأب على ازدهار حقول العلم واثمارها حتى يدنو قطوفها، ولا وسيلة غير العلم لسعادة بني الانسان، ولا ذخر كالعلم يجمل به الفرد والامم مدى الحقوب والازمان. خطا المغرب بفضل الله خطوات حميدة في هذا السبيل فأصلح الموجود من معاهد العلم قدر الامكان، وأسست مدارس جديدة يتنور فيها الشبان، فأقبل شباب المغرب في جمع متزايد على حياض العلم وصار يبشر بما يملأ القلب سرورا، ويثلج للمومنين صدورا، الا أن ذلك لا يكمل الا اذا حصلنا على اصلاح كل أفراد الامة لنخرج مما كان يحيط بنا من الظلمات المدلهمة. فإن الامة كالجسر لا يمكن اصلاح نصفها مع بقاء النصف الاخر ناقصا أو عليلا، فلا صلاح الا بصلاح جميع أعضائها. لذلك تنبهنا لتربية بناتنا لرتق حالة عائلاتنا. اذ كيف يسعد متنور في حياته العائلية اذا كان بجنبه زوجة جاهلة؟ كيف يصلح أمر بنيه اذا تجاذبتهم من جهة الامهات شرور التقاليد الفاسدة أو تركوا سدى بدون تثقيف يرشدهم الى سواء السبيل؟ فالاصلاح الحقيقي يطالب دائما بالكمال ولا اصلاح مادامت الامهات ملازمة لطرق الاهمال. فبنور هذه الحقائق قررنا بظهير شريف تعليم البنات على أساس متين، ومهدنا الوسائل لتيسيره على ما يضمن النجاح المبين، تدخل بناتنا المدرسة في السادسة من عمرهن ويلازمن التعليم الى الثالثة عشرة وهو السن الذي ينبغي أن يقرن في بيوتهن.
ثم ماذا يتعلمن في تلك المدارس؟ يتلقين قبل كل شيء الثقافة الدينية من مبادئ التوحيد والفقه وكذلك قواعد اللغة العربية البسيطة ويزاولن مع ذلك تعلم كل ما يتوقفن عليه في حياتهن من ضروريات علم تربية الاطفال وتدبير المنزل ليكن زوجات صالحات، وأمهات مومنات مهذبات، يعن رجالهن في تحمل أعباء الحياة، ويخرجن لنا بنين مثقفين وبنات زاكيات، يمكن اذ ذاك للامة جمعاء أن تسير للامام، وتخطو الى الرقي متمسكة بمبادئ الاسلام، تزاحم الامم في منتج الحركات، وتسرع الى التقدم أيمن الخطوات، فاخراج التلاميذ من المدارس قبل النجاح كمن يقطف الثمار قبل النضج ويجتاح، فلنجد اذن في مواصلة العمل سالكين أقوم السبل للخروج من مهاوي البطالة والكسل.
العلم العلم ان كنتم بتعاليم الاسلام مسترشدين، ولمناهج الانتاج سالكين، غير ناسين نصيبكم من الدنيا، فانها بلاغ الاخرة، ولا غافلين عما يهديكم الى ما ينعمكم بالاخرى بالنعم الزاخرة، ثم اسلكوا السبيل القويم، متمسكين بتعاليم الذكر الحكيم، متحابين متراحمين، متآخين متآزرين، غير معرجين على النزاع والشقاق، ولا مائلين الى دواعي الفراق، مشتغلين يدا في يد بما فيه المصلحة والجدوى، وتعاونوا على البر والتقوى، وواصلوا العمل لاصلاح الدنيا والدين مسترشدين بسنن المهتدين، تحيون بذلك بلادكم، ويفتخر بكم سلطانكم، ترضون الله والرسول، مبتهجين بنيل المنى والسول، مرددين في كل حين عبارات الشكران، بما تشاهدونه من سعادة الاوطان، مغتبطين بفضل الله وكمال رضاه مرددين في كل بدء وختام: "الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.".

ألقي بالرباط
يوم 29 ذي القعدة 1362 موافق 18 نونبر 1943